فصل: من لطائف وفوائد المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وكل في {كُلَّ مَرْصَدٍ}: منتصب على الظرفية وهو اختيار الزجاج، وقيل: هو منتصب بنزع الخافض: أي في كل مرصد، وخطأ أبو عليّ الفارسي الزجاج في جعله ظرفًا.
وهذه الآية المتضمنة للأمر بقتل المشركين عند انسلاخ الأشهر الحرم عامة لكل مشرك، لا يخرج عنها إلا من خصته السنة، وهو: المرأة، والصبيّ، والعاجز الذي لا يقاتل، وكذلك يخصص منها أهل الكتاب الذين يعطون الجزية على فرض تناول لفظ المشركين لهم، وهذه الآية نسخت كل آية فيها ذكر الإعراض عن المشركين والصبر على أذاهم.
وقال الضحاك وعطاء والسديّ: هي منسوخة بقوله: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء} [محمد: 4].
وأن الأسير لا يقتل صبرًا بل يمن عليه أو يفادي.
وقال مجاهد وقتادة: بل هي ناسخة لقوله: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء}، وأنه لا يجوز في الأسارى من المشركين إلا القتل.
وقال ابن زيد: الآيتان محكمتان.
قال القرطبي: وهو الصحيح؛ لأن المنّ والقتل والفداء لم تزل من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم من أوّل حرب جاء بهم وهو يوم بدر.
قوله: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة} أي: تابوا عن الشرك الذي هو سبب القتل، وحققوا التوبة بفعل ما هو من أعظم أركان الإسلام، وهو إقامة الصلاة، وهذا الركن اكتفى به عن ذكر ما يتعلق بالأبدان من العبادات، لكونه رأسها، واكتفى بالركن الآخر المالي، وهو إيتاء الزكاة عن كل ما يتعلق بالأموال من العبادات، لأنه أعظمها {فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} أي: اتركوهم وشأنهم، فلا تأسروهم، ولا تحصروهم، ولا تقتلوهم {الله غَفُورٌ} لهم: {رَّحِيمٌ} بهم.
قوله: {وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ}، يقال: استجرت فلانًا، أي طلبت أن يكون جارًا: أي محاميًا ومحافظًا من أن يظلمني ظالم، أو يتعرّض لي متعرّض.
و{أحد} مرتفع بفعل مقدّر يفسره المذكور بعده: أي وإن استجارك أحد استجارك، وكرهوا الجمع بين المفسر والمفسر.
والمعنى: وإن استجارك أحد من المشركين الذين أمرت بقتالهم فأجره: أي كن جارًا له مؤمنًا محاميًا {حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله} منك ويتدبره حق تدبره، ويقف على حقيقة ما تدعو إليه: {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} أي: إلى الدار التي يأمن فيها بعد أن يسمع كلام الله إن لم يسلم، ثم بعد أن تبلغه مأمنه قاتله فقد خرج من جوارك ورجع إلى ما كان عليه من إباحة دمه، ووجوب قتله حيث يوجد، والإشارة بقوله: {ذلك} إلى ما تقدّم من الأمر بالإجارة، وما بعده {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} أي: بسبب فقدانهم للعلم النافع المميز بين الخير والشر في الحال والمآل.
وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {إِلاَّ الذين عاهدتم} قال: هم قريش.
وأخرج أيضًا عن قتادة قال: هم مشركو قريش الذين عاهدهم نبيّ الله زمن الحديبية، وكان بقي من مدّتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر، فأمر نبيه أن يوفي بعهدهم هذا إلى مدّتهم.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن عباد بن جعفر، في قوله: {إِلاَّ الذين عاهدتم} قال: هم بنو جذيمة ابن عامر من بني بكر بن كنانة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله: {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ} قال: كان بقي لبني مذحج وخزاعة عهد، فهو الذي قال الله: {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ}.
وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ، في قوله: {إِلاَّ الذين عاهدتم مّنَ المشركين} قال: هؤلاء بنو ضمرة، وبنو مدلج، من بني كنانة كانوا حلفاء للنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة العُشَيْرة من بطن ينبع {ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا} ثم لم ينقصوا عهدكم بغدر {وَلَمْ يظاهروا عَلَيْكُمْ أَحَدًا} قال: لم يظاهروا عدوّكم عليكم {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ} يقول: أجلهم الذي شرطتم لهم: {إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين} يقول: الذين يتقون الله فيما حرّم عليهم، فيوفون بالعهد.
قال: فلم يعاهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد هؤلاء الآيات أحدًا.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله: {فَإِنَّهُ انسلخ الأشهر الحرم} قال: هي الأربعة: عشرون من ذي الحجة والمحرّم، وصفر، وشهر ربيع الأوّل، وعشر من ربيع الآخر.
قلت: مراد السديّ أن هذه الأشهر تسمى حرمًا لكون تأمين المعاهدين فيها يستلزم تحريم القتال، لا أنها الأشهر الحرم المعروفة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك، في الآية قال: هي عشر من ذي القعدة، وذو الحجة، والمحرم، سبعون ليلة.
وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد قال: هي الأربعة الأشهر التي قال: {فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ}.
وأخرج ابن المنذر، عن قتادة، نحو قول السديّ السابق.
وأخرج أبو داود في ناسخه، عن ابن عباس، في قوله: {فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} ثم نسخ واستثنى.
فقال: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة فَخَلُّواْ سَبِيلَهُم}، وقال: {وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله}.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله: {وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ} يقول: من جاءك واستمع ما تقول.
واستمع ما أنزل إليك، فهو آمن حين يأتيك فيسمع كلام الله حتى يبلغ مأمنه من حيث جاء.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله: {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} قال: إن لم يوافقه ما يقصّ عليه ويخبر به فأبلغه مأمنه، وهذا ليس بمنسوخ.
وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة في قوله: {حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله} أي: كتاب الله.
وأخرج أبو الشيخ، عن سعيد بن أبي عروبة، قال: كان الرجل يجيء إذا سمع كتاب الله، وأقرّ به، وأسلم، فذاك الذي دُعي إليه، وإن أنكر ولم يقرّ به، ردّ إلى مأمنه، ثم نسخ ذلك، فقال: {وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً كَمَا يقاتلونكم كَافَّةً} [التوبة: 36]. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال ابن عادل:
قوله: {وَإِنْ أَحَدٌ} كقوله: {إِن امرؤ هَلَكَ} [النساء: 176] في كونه من باب الاشتغال عند الجمهور.
قال ابنُ الخطيب: {أَحَدٌ} مرتفع بفعل مضمر يفسِّرهُ الظَّاهرُ، وتقديره: وإن استجارك أحد، ولا يجُوز أن يرتفع بالابتداء، لأنَّ {إنْ} من عوامل الفعل لا تدخل على غيره.
قوله: {حتَّى يسمَعَ}
يجوز أن تكون هنا للغاية، وأن تكون للتَّعليلِ، وعلى كلا التقديرين تتعلَّق بقوله: {فَأجِرهُ}، وهل يجُوزُ أن تكون هذه المسألةُ من باب التَّنازع أم لا؟ وفيه غموضٌ، وذلك أنَّه يجوز من حيث المعنى أن تعلَّق {حتَّى} بقوله: {استجاركَ}، أو بقوله: {فأجرهُ} إذ يجوز تقديره: وإن استجارك أحدٌ حتَّى يسمع كلام اللهِ فأجرهُ، حتَّى يسمع كلام الله.
والجوابُ أنه لا يجوزُ عند الجمهور، لأمر لفظي من جهة الصناعة لا معنوي، فإنَّا لو جعلناه من التَّنازع، وأعملنا الأوَّل مثلًا، لاحتاج الثَّاني إليه مضمرًا على ما تقرَّر، وحينئذٍ يلزمُ أنَّ {حتَّى} تجرُّ المضمر، و{حتَّى} لا تجرُّهُ إلاَّ في ضرورة شعر كقوله: [الوافر]
فَلا واللهِ لا يَلْقَى أنَاسٌ ** فتًى حتَّاكَ يا ابْنَ أبي يزيدِ

وأمَّا عند من يُجيزُ أن تجرَّ المضمر؛ فلا يمتنع ذلك عندهُ، ويكون من إعمال الثَّاني لحذفه، ويكون كقولك: فَرحْتُ ومررتُ بزيدٍ، أي: فرحْتُ به، ولو كان مِنْ إعمالِ الأوَّلِ لمْ يحذفْهُ من الثَّاني، وقوله: {كَلاَمَ الله} من بابِ إضافة الصِّفةِ لموصوفها، لا من بابِ إضافة المخلوقِ للخالِقِ، و{مَأْمنَهُ} يجوزُ أن يكون مكانًا، أي: مكان أمنه، وأن يكون مصدرًا، أي: ثُمَّ أبلغْه أْمْنَهُ. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

من لطائف القشيري في الآية:
قال عليه الرحمة:
{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6)}
إِذا استجار المُشْرِكُ- اليوم- فلا يُردُّ حتى يسمَع كلام الله، فإِذا استجار المؤمنُ طول عمره من الفراق- متى يُمْنَعُ من سماع كلام الله؟ ومتى يكون في زمرة مَنْ يقال لهم: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108].
وإذ قال- اليوم- عن أعدائه: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ} فإِن لم يؤمن بعد سماع كلامه نُهِيَ عن تعرضه حيث قال: {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ}- أترى أنه لا يُؤَمِّنُ أولياءَه- غدًا- مِنْ فراقه، وقد عاشوا اليومَ على إيمانه ووفائه؟! كلا.. إنه يمتحنهم بذلك، قال تعالى: {لاَ يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأَكْبَرُ} [الأنبياء: 103].
ثم قال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} فإذا كان هذا بِرَّه بِمَنْ لا يَعْلَم فكيف بِرُّه بِمَنْ يعلم؟
ومتى نُضَيِّعُ مَنْ يَنِيخُ بِبَابِنَا ** والمُعْرِضون لهم نعيمٌ وافِرُ؟!

. اهـ.

.تفسير الآية رقم (7):

قوله تعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما كان الأمر بالنبذ مظنة لأن يعجب منه، عجب فقال: فمن يتعجب منه؟ وأنكر عليه فقال: {كيف يكون للمشركين} أي أهل العراقة في الشرك الذين توجب عراقتهم فيه ومحبتهم لظهوره نكثَ العهد الذي لا أقبح منه عند العرب ولا أشنع {عهد عند الله} أي المستجمع لصفات الكمال، فهو لا يحب النقض من أوليائه فكيف به من أعدائه {وعند رسوله} أي الذي هو أكمل الخلق وأوفاهم وأحفظهم للعهود وأرعاهم فهم أضداده فأعمالهم أضداد أعماله، وقد بدا منهم الغدر.
ولما كان استفهام الإنكار في معنى النفي، صح الاستثناء منه، فكأنه قيل: لا يكون للمشركين عهد {إلا الذين عاهدتم} أي منهم كما تقدم {عند المسجد الحرام} أي الحرم يوم الحديبية، وهذا مما يدل على أن الاستثناء المتقدم من {الذين} في قوله: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين}؛ قال البغوي؛ قال السدي والكلبي وابن اسحاق: هم من قبائل بكر: بنو خزيمة وبنو مدلج وبنو ضمرة وبنو الديل وهم الذين كانوا قد دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية، فلم يكن نقض العهد إلا قريش وبنو الديل من بني بكر فأمر بإتمام العهد لمن لم ينقض، ولما استثنى، بين حكم المستثني فقال: {فما استقاموا لكم} أي ركبوا الطريق الأقوم في الوفاء بعهدهم {فاستقيموا لهم} والقول في {إن الله} أي المحيط بالجلال والجمال {يحب المتقين} كما سبق. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}
قوله: {كَيْفَ} استفهام بمعنى الإنكار كما تقول: كيف يسبقني مثلك، أي لا ينبغي أن يسبقني وفي الآية محذوف وتقديره: كيف يكون للمشركين عهد مع إضمار الغدر فيما وقع من العهد إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، لأجل أنهم ما نكثوا وما نقضوا قيل: إنهم بنو كنانة وبنو ضمرة فتربصوا أمرهم ولا تقتلوهم فما استقاموا لكم على العهد فاستقيموا لهم على مثله {إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين} يعني من اتقى الله يوفي بعهده لمن عاهد، والله أعلم. اهـ.

.قال الجصاص:

قوله تعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}
قَالَ أَبُو بَكْرٍ ابْتِدَاءُ السُّورَةِ يَذْكُرُ قَطْعَ الْعَهْدِ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: {بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ} وَقَدْ قِيلَ: إنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ عَهْدٌ فَغَدَرُوا وَأَسَرُّوا وَهَمُّوا بِهِ فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِالنَّبْذِ إلَيْهِمْ ظَاهِرًا، وَفَسَخَ لَهُمْ فِي مُدَّةٍ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ بِقَوْلِهِ: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} وَقِيلَ: إنَّهُ أَرَادَ الْعَهْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ عَامَّةً فِي أَنْ لَا يُمْنَعَ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ دُخُولِهِ مَكَّةَ لِلْحَجِّ، وَأَنْ لَا يُقَاتِلُوا، وَلَا يَقْتُلُوا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَكَانَ قَوْلُهُ: {بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} فِي أَحَدِ هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ هَؤُلَاءِ قَوْمًا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَهْدٌ خَاصٌّ، وَلَمْ يَغْدِرُوا، وَلَمْ يَهُمُّوا بِهِ فَقَالَ: {إلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ} فَفَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلَى عَهْدِهِمْ، وَلَمْ يَنْقُصُوهُمْ، وَلَمْ يُعَاوِنُوا أَعْدَاءَهُمْ عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَ بِإِتْمَامِ عَهْدِهِمْ إلَى مُدَّتِهِمْ، وَأَمَرَ بِالنَّبْذِ إلَى الْأَوَّلِينَ، وَهُمْ أَحَدُ فَرِيقَيْنِ مَنْ غَادَرَ قَاصِدًا إلَيْهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ عَهْدٌ خَاصٌّ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ بَلْ فِي دُخُولِ مَكَّةَ لِلْحَجِّ وَالْأَمَانِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الَّذِي كَانَ يَأْمَنُ فِيهِ جَمِيعُ النَّاسُ.
وقوله تعالى: {وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا} يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُعَاهَدَ مَتَى عَاوَنَ عَلَيْنَا عَدُوًّا لَنَا فَقَدْ نَقَضَ عَهْدَهُ.
ثُمَّ قال تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} فَرَفَعَ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَشْهُرِ الْحُرُمِ عَهْدَ كُلِّ ذِي عَهْدٍ مِنْ خَاصٍّ وَمِنْ عَامٍّ، ثُمَّ قال تعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ} لِأَنَّهُمْ غَدَرُوا، وَلَمْ يَسْتَقِيمُوا؛ ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهُمْ الَّذِينَ عَاهَدُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ {هُمْ قَوْمٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ}، وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ هُمْ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ هُمْ خُزَاعَةُ، فَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِالْوَفَاءِ بِعَهْدِهِمْ مَا اسْتَقَامُوا لَهُمْ فِي الْوَفَاءِ بِهِ.
وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ مُدَّةُ هَؤُلَاءِ فِي الْعَهْدِ دُونَ مُضِيِّ أَشْهُرِ الْحُرُمِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} وَعُمُومُهُ يَقْتَضِي رَفْعَ سَائِرِ الْعُهُودِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ.
وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ مُدَّةُ عَهْدِهِمْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَكَانُوا مَخْصُوصِينَ مِمَّنْ أُمِرُوا بِقَتْلِهِمْ بَعْدَ انْسِلَاخِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ خَاصًّا فِي قَوْمٍ مِنْهُمْ كَانُوا أَهْلَ غَدْرٍ وَخِيَانَةٍ لِأَنَّهُ قَالَ: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} وَلَمْ يَحْصُرْهُ بِمُدَّةٍ قوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ لَنَا الْإِيمَانَ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ فَعَلَيْنَا مُوَالَاتُهُ فِي الدِّينِ عَلَى ظَاهِرِ أَمْرِهِ مَعَ وُجُودِ أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُهُ فِي الْمَغِيبِ خِلَافَهُ. اهـ.